مجموعة مؤلفين
192
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
المعرفة الميتافيزيقية : وإذا عرجنا على لون آخر من ألوان الفلسفة المحدقة بهذا الإمام الأكبر ، وهو تقسيم المعارف إلى حسية محضة وفكرية تستعين بالحس ، وعقلية دنيا تعتمد على الفكر ، وعقلية عليا تعتمد على البداهة دون أية حاجة إلى القوى الدنيا ، ورأينا كيف أن محيي الدين يجزم باستحالة وصول تلك القوى الدنيا إلى معرفة اللّه ، وبإمكان هذا الوصول عن طريق العقل الأعلى أو الجانب الأعلى في العقل ، ألفينا في هذا اللون من ثقافة محيي الدين ما يصلح أن يكون ردا مفحما على أولئك المتفيقهين . وإليك نبذة من هذا اللون : « إن الإنسان إنما يدرك المعارف كلها بإحدى القوى الخمس الحسية ، وهي : الشم ، والذوق ، واللمس ، والسمع ، والبصر . فالبصر يدرك الألوان والملونات والأشخاص على حد معلوم من القرب والبعد . . . والذي يدرك منه على ميلين شخص لا يدرى هل هو إنسان أو شجرة ، وعلى ميل يعرف أنه إنسان ، وعلى عشرين باعا أنه أبيض أو أسود ، وعلى المقابلة أنه أزرق أو أكحل . وهكذا سائر المعرفة به فلم نعلمه إلا من طريق الحس . وأما القوى الخيالية فإنها لا تضبط إلا ما أعطاها الحس إما على صورة ما أعطاها ، وإما على صورة ما أعطاه الفكر من حمله بعض المحسوسات على بعض وإلى هنا انتهت طريقة أهل الفكر في معرفة الحق ، فهو لسانهم وليس لساننا ، وإن كان حقا ولكن ننسبه إليهم فإنه نقل عنهم ، فلم تبرح هذه القوة كيفما كان إدراكها عن الحس البتة . وقد بطل تعلق الحس باللّه عندنا ، فقد بطل تعلق الخيال به . وأما القوة المفكرة فلا يفكر الإنسان بها أبدا إلا في أشياء موجودة عنده تلقاها من جهة الحواس وأوائل العقل . ومن الفكر فيها في خزانة الخيال يحصل له علم بأمر آخر بينه وبين هذه الأشياء التي فكر فيها مناسبة ، ولا مناسبة بين اللّه وخلقه . فإذن لا يصح العلم به من جهة الفكر . فلهذا منع العلماء من الفكر في ذات اللّه وأما القوة العقلية الدنيا فلا يصح أن تدركه ،